يحيي بن حمزة العلوي اليمني

5

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

فهم لإعراضهم عن الدّين ، وإصرارهم على المخالفة لما جاء به الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وبلوغ الغاية في الصّدّ والنكوص ، ممثّلون بحال من جعل على قلبه كنان فهو لا يفقه ما يقال له ، ولا يرعوى لقبوله ، وبحال من ضرب بينه وبين مراده بسدّ من بين يديه ومن خلفه ، فهو لا يهتدى إليه ، ولا يمكنه الوصول إلى بغيته بحال ، وقوله تعالى : مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فيه تنبيه على ما هم عليه من التّمادى في ركوب الباطل ، وإكبابهم على الجحود والكتمان لما جاءهم من الحقّ ، وقطع للرجاء بخيرهم ، وسد لطريقه ؛ لأن من كان بين يديه سد ، ومن خلفه سد وأغشى على بصره ، تعطّل ، فأنّى يكون له اهتداء إلى طريق الخير ، وسلوك بسبيله ، وهذا باب من فنّ البلاغة يقال له التخييل ، وسنورد فيه حقائق وأمثلة شافية عند الكلام في معاني البديع وخصائصه . وممّا ورد من التمثيل في السّنّة النبوية قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « إيّاكم وفضول المطعم فإنه يسم القلب بالقسوة ، ويبطئ الجوارح عن الطاعة ، ويصمّ الآذان عن سماع الموعظة ، وإياكم وفضول النظر ، فإنه يبذر الهوى ، ويولّد الغفلة » . ومنه قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « حلوا أنفسكم بالطاعة ، وألبسوها قناع المخافة ، واجعلوا حرثكم لأنفسكم ، وسعيكم لمستقرّكم » . ومن كلام أمير المؤمنين في التمثيل ، في كلام يشير به إلى الخوارج : « حاول القوم إطفاء نور اللّه من مصباحه ، وسدّ فوّارة من ينبوعه ، وجدحوا « 1 » بيني وبينهم مشربا وبيئا ، فإن ترتفع عنّا وعنهم محن الدنيا أحملهم من الحق على محضه ، وإن تكن الأخرى فلا تذهب نفسك عليهم حسرات » . وقال في كلام يصف به الرسول صلّى اللّه عليه وسلم وذمّه للدنيا : « قضم الدّنيا قضما ، ولم يعرها طرفا ، أهضم أهل الدنيا كشحا ، وأخمصهم من الدّنيا بطنا ، أعرض عن الدنيا بقلبه ، وأمات ذكرها عن لسانه ، وأحبّ أن تغيب زينتها عن عينه » . وقال في وصف أهل الدنيا : « يمسى مع الغافلين ، ويغدو مع المذنبين ، بلا سبيل قاصد ، ولا إمام قائد ، حتى إذا كشف لهم عن جزاء معصيتهم واستخرجوا من جلابيب غفلتهم ، استقبلوا مدبرا ، واستدبروا مقبلا ، فلم ينتفعوا بما أدركوا من طلبتهم ولا بما قضوا من وطرهم » .

--> ( 1 ) يقال : جدح السويق وغيره لتّه وشربه بالمجدح ، والمجدح : خشبة في رأسها خشبتان معترضتان . اللسان : ( جدح ) .